شارل ديدييه

51

رحلة إلى رحاب الشريف الأكبر

فهو أكثر بعدا أيضا ؛ إذ يذهب الناس بحثا عنه إلى بركة موسى ، الواقعة على الشاطئ الآخر لخليج السويس ، وإن هذا الماء الذي لا يقل ثمنه عن قرشين للقربة غير صالح للشرب دائما ؛ وإن الأشخاص الحريصين على ما يشربون ، لا يشربون إلا ماء النيل الذي يستقدم على ظهور الإبل عبر الصحراء ، وذلك مبالغ فيه للحصول على كأس من الماء . / 25 / أما المدينة نفسها فلا تكاد تستحق الوصف ، شوارعها وأزقتها ضيقة وملتوية ، وتعج بالغبار ، وهي وسخة غالبا . أما البيوت فسيئة العمارة ، لا يهتم أصحابها بترميمها ، وأغلبها من الخشب أو من اللّبن ، وفيها بعض المساجد البسيطة ، ومناراتها أشد بساطة منها أيضا ؛ فيها فنادق واسعة ، ولكنها وسخة جدا ، مخصصة للبضائع والتجار ، وفيها سوق واحد يفتقر في ثلاثة أرباع السنة إلى الحاجات الضرورية جدا : تلك هي اليوم حال تلك المدينة ، التي كانت في سالف الدهر مزدهرة بلا شك ، ويمكن أن تعود إلى ما كانت عليه من ازدهار بل أكثر ، عندما يتم فتح القناة التي ستجعل منها واحدا من أهم الموانىء التجارية ، بل السياسية في العالم كله . وإن لمينائها ، مع ذلك ، وعلى حالته الراهنة ، مكانة متوسطة ، تحيط به بيوت صالحة للسكن ، وله رصيف على البحر تجده بعض الأحيان يعج بالناس . إن هناك عددا كبيرا من المراكب المصنوعة محليا ، والمخصصة لتمخر عباب البحر الأحمر ، ولكن عدد المراكب التي تقضي الليل في المرفأ يدل على أن حركة الملاحة ليست بالنشاط المطلوب . وقد كان أحد تلك المراكب المشحونة بالرقيق يفرغ حمولته البشرية لحظة وصولنا . يقيم قليل من الأوروبيين في هذا المكان الكئيب ، ومع ذلك عرفت سيدة فرنسية يعمل زوجها بالتجارة في هذه الأنحاء ، وكانت / 26 / تعيش في انتظاره مع ابنتها الجميلة البالغة من العمر ثمانية عشر عاما - في عزلة تكاد تكون مطلقة . ورأيت أيضا القنصل أو نائب القنصل البريطاني الذي تجدر الإشارة إلى أنه يسكن المنزل الذي كان ينزل به الجنرال نابليون في عام 1799 م . وكان ذلك القنصل يجمع بين وظيفة القنصل ووظيفة الوكيل التجاري لشركة الهند الشرقية ، وإن هذه الازدواجية السياسية التجارية صفة مشتركة للقناصل البريطانيين جميعهم ؛